سيد قطب
3479
في ظلال القرآن
بما تشاء أن تتعلق به كما تشاء . وكل قيد يتصوره العقل البشري بمنطقه هو لهذه المشيئة من أي نوع وأي لون هو تصور باطل ، ناشئ من طبيعة العقل البشري المحدود ! واختيار المشيئة لنواميس وسنن لهذا الوجود داخل في حقيقة انطلاقها بلا قيود ولا حدود . فهي تختار هذه النواميس والسنن اختيارا طليقا ، وتعملها في الكون غير مقيدة بها بعد إعمالها ، ولا محصورة في نطاقها . والاختيار دائم ومطرد وراء هذه السنن والنواميس . . والقرآن يولي هذه الحقيقة عناية كبيرة ، فينص عليها في كل مناسبة بما يفيد طلاقة المشيئة من كل قيد يرد عليها حتى من عملها هي . لتبقى هذه الحقيقة واضحة ، ويبقى تصورها غير مشوب . فقد وعد اللّه أهل الجنة بالخلود فيها وأهل النار كذلك . وهذا الوعد صادر من المشيئة . ولكنه أبقى المشيئة طليقة خارج نطاق هذا الوعد ذاته وهو من عملها وباختيارها . فقال عن هؤلاء وهؤلاء : « خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ . . » . . وهكذا في كل موضع وردت فيه مثل هذه المناسبة . ولا مجال لمنطق العقل البشري ولا لمقرراته في هذا المجال . وعليه أن يأخذ مقرراته كلها من هذا القرآن ، لا من معين آخر غير القرآن ! ومن ثم يتمثل للقلب البشري من خلال هذه الآية سلطان اللّه المطلق في ملكه الذي لا شريك له فيه ، والذي يتوجه إليه سبحانه بالتسبيح وحق له أن يتوجه ، وحق عليه أن يسبح . وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض ، حتى تطالعه حقيقة أخرى ، لعلها أضخم وأقوى . حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة . فالكينونة الواحدة الحقيقية هي للّه وحده سبحانه ؛ ومن ثم فهي محيطة بكل شيء ، عليمة بكل شيء : « هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . . الأول فليس قبله شيء . والآخر فليس بعده شيء . والظاهر فليس فوقه شيء . والباطن فليس دونه شيء . الأول والآخر مستغرقا كل حقيقة الزمان ، والظاهر والباطن مستغرقا كل حقيقة المكان . وهما مطلقتان . ويتلفت القلب البشري فلا يجد كينونة لشيء إلا للّه . وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه . حتى وجود هذا القلب ذاته لا يتحقق إلا مستمدا من وجود اللّه . فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده . وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته . وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود . . « وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . . علم الحقيقة الكاملة . فحقيقة كل شيء مستمدة من الحقيقة الإلهية وصادرة عنها . فهي مستغرقة إذن بعلم اللّه اللدني بها . العلم الذي لا يشاركه أحد في نوعه وصفته وطريقته . مهما علم المخلوقون عن ظواهر الأشياء ! فإذا استقرت هذه الحقيقة الكبرى في قلب ، فما احتفاله بشيء في هذا الكون غير اللّه سبحانه ؟ وكل شيء لا حقيقة له ولا وجود - حتى ذلك القلب ذاته - إلا ما يستمده من تلك الحقيقة الكبرى ؟ وكل شيء وهم ذاهب ، حيث لا يكون ولا يبقى إلا اللّه ، المتفرد بكل مقومات الكينونة والبقاء ؟ وإن استقرار هذه الحقيقة في قلب ليحيله قطعة من هذه الحقيقة . فأما قبل أن يصل إلى هذا الاستقرار ، فإن هذه الآية القرآنية حسبه ليعيش في تدبرها وتصور مدلولها ، ومحاولة الوصول إلى هذا المدلول الواحد وكفى ! ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى ، وهاموا بها وفيها ، وسلكوا إليها مسالك شتى ، بعضهم قال إنه يرى اللّه في كل شيء في الوجود . وبعضهم قال : إنه رأى اللّه من وراء كل شيء في الوجود . وبعضهم